فصل: باب: أَخْذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ وَهَل يُتْرَكُ الصَّبِيُّ فَيَمَسُّ تَمْرَ الصَّدَقَة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فيض الباري شرح صحيح البخاري ***


باب‏:‏ زَكاةِ الإِبِل

1452- قوله‏:‏ ‏(‏ويحك إن شأنها- الهجرة- شديد‏)‏ قال سِيْبَوَيْه‏:‏ إن الويلَ لمن يَستحِقُّه، وويحك لمن لا يَستحِقُّه‏.‏

واعلم أنَّ الحديثَ صريحٌ في أنَّ الهجرة من دار الحرب إلى دار الإِسلام لا تجبُ مطلقًا، وإن كانت عزيمةً إذا وُجِدَ دارُ الإِسلام على وجهه‏.‏ أما القرآنُ فإِنَّه استمر بالذمِّ على تاركها، وذلك لأن من دأب القرآن أنه إذا استحبَّ أمرًا استمر بمدحه، وكذا بالذم على تاركه‏.‏ نعم، يُوميءُ إلى الجوازِ من عَرْض كلامه، كالهجرة، فإنَّه كرِه تركَهَا، فاستمر بالذم على مَنْ تَرَكَها، ومع ذلك أشار إلى الجوازِ في قوله‏:‏ ‏{‏فإنْ كان من قومٍ بينَكم وبينَهم مِيْثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسلَّمةٌ إلى أهلِهِ‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 92‏)‏ فترشَّح منه أن المؤمنَ له أن يَمكُثَ في دار الحرب، فإنْ قُتِلَ، ففيه الحكم المذكور، فالمقصودُ منه ذكر الكفارة، والمرموزُ جَوَازُ المُكْثِ في دار الحرب، وهذا بخلاف دأب الحديث، فإنَّه قد يصرحُ بالجائزات أيضًا، وإن لم تكن مرغوبةً عنده‏.‏

1452- قوله‏:‏ ‏(‏من وراء البحار‏)‏ وهذا كقولنا في العُرف‏:‏ ‏(‏سات سمندريار‏)‏‏.‏

باب‏:‏ مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ مَخَاضٍ وَلَيسَتْ عِنْدَه

وقد مر أن المصنفَ جَوَّز الاستبدال بالقيمة، وأنه أخرجَ فيه عن الأنصاري، وهو عبد الله بن المُثَنَّى- حنفيُ المذهب- ونُسِبَ إلى سوءِ الحفظ، وكان عنده حديث طويل في باب الزكاة، فَبسَطَ المصنفُ رحمه الله قِطعاته في هذا الباب‏.‏ ثم قيل‏:‏ إنه لِمَ ذكر- بنتَ المَخَاض- في حديثه‏؟‏ والجواب‏:‏ أن المصنف قاسَهُ على بنتِ اللَّبُون، وإنما لم يُخرِّج حديث بنتِ المَخَاض مع كونه عنده، كما في صدر الصحيفة، ليدل على أنَّ المسألةَ أعمُّ منه‏.‏

باب‏:‏ زَكَاةِ الغَنَم

باب‏:‏ لا تُؤْخَذُ في الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلا تَيسٌ، إِلا ما شَاءَ المُصَدِّق

باب‏:‏ أَخْذِ العَنَاقِ في الصَّدَقَة

باب‏:‏ لا تُؤْخَذُ كَرَائِمُ أَمْوَالِ النَّاسِ في الصَّدَقَة

باب‏:‏ لَيسَ فِيما دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَة

1454- قوله‏:‏ ‏(‏فإذا زادت على العشرين ومئة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة‏)‏‏.‏ واعلم أن الفريضة في مئة وعشرين، حِقتان بالإِجماع‏.‏ ثم اختلفوا‏:‏ فعندنا تُستأنَفُ الفريضةُ- كما في الأول- إلى مئة وخمسين، إلا أنه لا تجبُ فيه بنتُ لَبُون وجَذَعة، ففي كل خمسٍ شاة إلى مئة وخمس وأربعين مع الحِقتين؛ فإذا صارت خمسًا وأربعين بعد المئة تجب فيها حِقتان، وبنتُ مخَاض‏.‏ وفي مئة وخمسين ثلاث حِقَاق، هذا هو الاستئنافُ الأول، ثم تُستأنَفُ الفريضة، وتجبُ فيها بنتُ لَبُون أيضًا، على خلافِ الاستئناف الأول‏.‏ ففي مئة وخمس وسبعين ثلاث حِقَاق وبنت مَخَاض‏.‏ وفي مئة وستٍ وثمانين ثلاث حِقَاق وبنتُ لَبُونَ‏.‏

وفي مئة وست وتسعين أربع حِقَاق إلى مئتين، ثم تُستأنَفُ الفريضة، كما بعد مئة وخمسين، فتجبُ في كلِّ خمسٍ شاةٌ، فإذا صارت مئتين وخمسًا وعشرين، ففيها أربعُ حِقَاق وبنتُ مَخَاض، وكذلك في ستٍ وثلاثين بنتُ لَبُون إلى ستٍ وأربعين، ثم إلى خمسين حِقَة، ففي مئتين وخمسين خمس حِقَاق، وهكذا إلى ما لا نهاية له، فيدورُ الحسابُ على الخمسينيات، وتجبُ في كل خمسين حِقَّة، وكذلك في كل أربعين بنت لَبُون، إلا أنها تجبُ على ستٍ وثلاثين، وتبقى إلى ست وأربعين، فلا يدورُ الحسابُ عليه‏.‏

إذا علمتَ هذا، فاعلم أنَّه لا ريبَ في أن الحديثَ أقربُ إلى مذهب الأئمة الثلاثة، فإنَّ الفريضة عندهم بعد مئة وعشرين تتغيرُ على كل أربعين إلى بنتِ لَبُون، وعلى كل خمسين إلى حِقَّه، فإذا صارت مئة وثلاثين تجبُ بنتا لَبُون وحِقَّة، لاشتمالها على أربعينتين وخَمْسِينة، ثم إذا صارت مئة وأربعين تجبُ حِقَّتان وبنت لَبُون، لاشتمالها على أرْبعينَةٍ وخَمْسينتين، فإذا دار الحسابُ بعد مئة وعشرين على الأربعينيات والخمسينيات إلى الأبد، تَبَادر منه أن يكون هو مراد الشارع‏.‏ نعم لو انقطع في موضع لكان محل رِيْبة، فإذا استمرّ، ولم ينقطع في موضع، علمنا صحتَه‏.‏ وأما على مذهبنا فالحديث- وإن كان صادقًا أيضًا- لكنه على مذهبهم أصدق، والحقُّ أحقُّ أن يُتبع‏.‏

وتفصيله‏:‏ أن قوله‏:‏ «في كل خمسين حِقَة»، مطَّردٌ على مذهبنا أيضًا، إلا أن قوله‏:‏ «في كل أربعين بنت لَبُون» ينتقضُ في موضع- وهو الاستئناف الأول- لما عرفت أنها ليست عندنا في الاستئناف الأول بنت لَبُون أصلا، ثم إنها وإن كانت في الاستئناف الثاني لكنَّ الفريضةَ لا تدورُ على الأربعين عندنا، فتجبُ بنت لَبُون من ستٍ وثلاثين إلى ست وأربعين، والأربعون واقع في البَيْن، فقوله‏:‏ «في كل أربعين بنت لبون»، وإن صدق على مذهبنا أيضًا لكنه ليس بلطيف، لأنه لا يظهرُ لتخصيص هذا العدد معنىً، لكونها واجبةً فيما دونه، وفيما فوقه أيضًا؛ ويمكن أن يُجاب عنه أن بيانَ النُّكتة ليس بضروري، وكفى له الصدق مطلقًا‏.‏

ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلّم في نِصَاب الشِّيَاه‏:‏ «فإذا زادت، فثلاث شياه إلى ثلاث مئة»، مع أن ثلاث مئة ليس بمدارٍ، لأن الواجبَ إلى تسعٍ وتسعين، وثلاث مئة هو الثلاثُ بعينِها، فكذلك نقول في الأربعين، فإنَّ بنتَ اللَّبُون تذهب إلى ست وأربعين، فهذا صادقٌ، وإن لم تكن فيه نُكتةٌ‏.‏ فإن قلت‏:‏ إن الحِقَّة عندنا تجبُ من ستٍ وأربعين إلى خمسين، فلم يبق في قوله‏:‏ «في كل خمسين حِقَّة» أيضًا لطفٌ على مذهبنا، فلا بد له من نُكتةٍ‏.‏ قلتُ‏:‏ إن الأمرَ كما زعمت، فإن الحِقَّة تجبُ من ستٍ وأربعين، وتذهب إلى خمسين، إلا أن الفريضةَ لما كانت تعودُ من الخمسين، أحال عليه، لُيعلم محلُّ الاستئناف، فلطف على مذهبنا أيضًا‏.‏

نعم بقي شيءٌ في قوله‏:‏ «في كل أربعين بنتُ لَبُون»، فإنه وإن كان صادقًا على مذهبنا- كما عرفتَه- لكنه لا لطفَ فيه، فقيل في جوابه‏:‏ إنه ليس من الضروريات أن تذكرَ له نُكتةٌ، وصِدْقُه على مذهبنا يكفي للخروج عن عُهْدَةِ قولِه صلى الله عليه وسلّم كما علمت آنفًا، على أنه لا دليل في قوله صلى الله عليه وسلّم على كونه مدارًا، ولذا تَرَكَ ذكرَه في بعض الروايات، واكتفى بالخمسين‏.‏

فأخرج الطحاوي في «معاني الآثار» وهذه صورة إسناده‏:‏ حدثنا سليمان بن شُعيب- تلميذُ الإِمام محمد، ثقة- حدثنا الخَصِيْبُ بن ناصح- فيه لِيْنٌ- حدثنا حمَّاد بن سَلمَة، قال‏:‏ قلت لقيس بن سعد- قاضي مكة ‏:‏ أكتب لي كتاب أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم- قاضي المدينة- فكتبه لي في ورقة، ثم جاء بها وأخبرني أنه أخذه من كتاب أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، وأخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلّم كتَبه لجده عمرو بن حزم في ذكر ما يخرج من فرائض الإِبل، فكان فيه‏:‏ «أنها إذا بلغت تسعين ففيها حِقَّتان، إلى أن تبلغ عشرين ومئة؛ فإذا كانت أكثر من ذلك ففي كل خمسين حِقَّة، فما فَضَلَ فإنَّه يُعاد إلى أول فريضة الإِبل، فما كانت أقل من خمس وعشرين ففيه الغَنَمُ في كل خمس ذود شاة»‏.‏ اهـ‏.‏

ثم ساق إسنادًا آخر‏:‏ حدثنا أبو بكرة‏:‏ حدثنا أبو عمر الضرير‏:‏ حدثنا حماد بن سلمة، ثم ذكر مثله، فارتفع بهذا الإِسناد ما في الخَصِيْب من الضَّعف، وكذلك عند أبي داود عن علي في حديث صَدَقات الإِبل، فإن كانت أكثرَ من ذلك ففي كل خمسين حِقَّة، اهـ‏.‏

وذكر فيه للأربعين، كما في حديث الطحاوي؛ ثم أخرجَ أبو داود هذا الحديثَ بعينِهِ عن حارث الأعور، وعاصم بن ضَمْرة‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ فصار عاصم مُتَابعًا للحارث، فارتفع الضَّعف المذكور، لكون عاصم ثقةً‏.‏ والبيهقي- وإن تصدى إلى الكلام في حَمَّاد بن سَلَمة- لكنه مدفوعٌ بما ذَكَرنَاه، فيما أملينا على الترمذي، مع أنه أخرجه إسحاق بن راهويه في «مسنده»، وأبو داود في «مراسيله»، كما في «مشكل الآثار»‏.‏

وبالجملة فقد عُلم من هذين الحديثين أن العمود في الصدقة بعد عشرين ومئة، هو الإِدارة بالخمسينيات، أما الأربعينيات فذَكَرَه في ذيل الحساب، لا لكونها مدارات‏.‏ ولذا قد تُذْكر، وقد تحذف‏.‏ ونظيرُه قوله صلى الله عليه وسلّم في صدقة الغنم‏:‏ «إذا زادت على مئتين ففيها ثلاث شياه إلى ثلاث مئة»، ويُتوهم منه أن الوظيفة الواجبةَ لعلها تنتهي إلى ثلاث مئة، مع أنها تبلغُ إلى تسعٍ وتسعين وثلاث مئة‏.‏ فذكرُ ثلاث مئة ليس لكونها مدارًا، بل هو واقع في البين‏.‏ إلا أنه لما كان عددًا مُعتدَّا به ذكرها لذلك، ولأن طريقَ الحساب بالعشرات والمئات، وحذفِ الكسور‏.‏ ولأنك قد علمت فيما مرّ أن الفريضةَ تجبُ على عدد‏.‏ ثم تذهب إلى عدد، لكنَّ العَمُود فيه يكون عددًا معينًا‏.‏ وينكشف ذلك في بعض الملاحظ، كما علمت في نُصُب الشياه، فإنه انكشف آخرًا أن المدارَ والعددَ الأصلَ كان هو المئة، وإن تغيرت الفريضةُ في بعضِ المواضع قَبْلها وبَعْدها أيضًا‏.‏

وهكذا نقول في نصاب بنت اللَّبُون، فإنه في الحقيقة وظيفةُ الأربعين، وإن ابتدأت من ستٍ وثلاثين، وانجرت إلى خمس وأربعين على ما علمته سابقًا‏.‏ وهكذا الحِقَّة، فإنها وظيفةُ الخمسين حقيقةً، ألا ترى أن الواجبَ في مئة وخمسين ثلاث حِقَاق بالاتفاق، وفي مئتين أربع حِقَاق، وإن اختلفوا في التفاصيل‏.‏

والحنفية وإن خالفوا في الاستئناف، لكنه خَرَجَ من حسابِهم أيضًا أن المنظورَ في وجوب الحِقَّة هو الخمسون، ولذا أوجبوا على مئة وخمسين ثلاثُ حِقَاق، لاشتماله على ثلاث خمسينيات، وكذلك في المئتين أربع خمسينات، فانكشف منه أن الحق، وإن وجبت من ستٍ وأربعين، لكن العدد الاصلي هو الخمسون؛ وحينئذٍ لَطُف ذكرُ الخمسين على مذهبنا أيضًا، وذلك لثلاثة وجوه‏:‏

الأول‏:‏ لكون الخمسين موضعُ الاستئناف‏.‏

والثاني‏:‏ كون دأب الحساب العدُّ بالعشرات، وترك الكسور‏.‏

والثالث‏:‏ فلكونه مدارًا، باعتبار كون الحِقَّة من وظيفة الخمسين في نظر الشارع، كالشاة للمئة‏.‏ إلا أن هذا النظر انكشف بعد المئتين‏.‏ كما انكشف في الشياه بعد ثلاث مئة، وإن كان هو المقصود من أول الأمر‏.‏

وبعد اللُّتَيَّا والتي أن الحديثين حُجتان لنا، أما حديث علي عند أبي داود فَزَعَمه الشافعية أنه حجة لهم، لإِدارته على الخمسينيات، فعدم ذكرِ الأربعينيات فيه عندهم محمول على الاختصار‏.‏

قلتُ‏:‏ بل هو حجةٌ لنا، وتَركُ ذكرِ الأربعينيات قصدي، لا لأنه مختصر من المطول، كما فهموه‏.‏ وذلك لأن التفصيل الذي رواه ابن أبي شيبة عن علي موافقٌ للحنفية قطعًا‏.‏ فإذا علمنا مذهبَه من الخارج، وجبَ علينا أن نحملَ مرفوعه أيضًا على ما اختاره في الخارج‏.‏ نعم، لو لم يثبت لنا مذهبه لكان للتأويل في مرفُوعِهِ مَسَاغٍ، وهو مذهب ابن مسعود، وإبراهيم النَّخعي- كما في الطحاوي ، وسفيان الثوري- كما في كتاب «الآثار»- بسندٍ قوي‏.‏

ثم في حديث على شيءٌ يخالفنا، وهو أنَّ في خمس وعشرين خمسةً من الغنم؛ مع أن الواجبَ فيه بنتُ مَخَاض، فإن كان بالتقويم فلا بأس بها عندنا أيضًا، مع أنَّه تكلم فيه سفيان الثوري، وقال‏:‏ إنه غَلَطٌ وَقَعَ من بعض الرواة، فإن عليًا أفقه من أن يقول هكذا‏.‏ وحديث أبي داود هذا وإن ترددَ بعض الرواة في وَقْفِهِ ورفعه، إلا أنه صحَّحَ رفعَه ابن القطان في كتاب «الوهم والإِيهام»‏.‏

وليعلم أنه يُعلم من البخاري أن عليًا كان عنده كتابٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلّم في أحكام الزكاة‏.‏ فإذا علمنا من الخارج مذهبَه على وَفْقِ مذهب الحنفية، حكمنا برفعِهِ قطعًا، وأن مذهب الحنفية على وَفْقِ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم عنده‏.‏ وإن استدلال الحنفية مذكور في البخاري، ويقضى العجب من مثل الحافظ أنه نقل جميع قطعات هذا الكتاب، ولم يذكر ما كان فيه من أحكام الزكاة‏.‏ وقد يدورُ بالبال أنه أهمَلَه قصدًا، فإنَّ الصدقات فيه كانت موافقةً لمذهب الحنفية‏.‏ وهذا من دأبي أَني إذا لم أجد شيئًا في البخاري‏.‏ ثم أجدُ تفصيلَه في الخارج بطريقٍ صحيح، أعزوه كُلَّه إلى البخاري‏.‏

ولذا قلت‏:‏ إن استدلال الحنفية من كتاب البخاري‏.‏ واحتج الشافعية بما عند أبي داود من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم عند آل عمر، وفيه عينُ ما اختارَه الشافعية من التفصيل‏.‏ وكان شيخُنَا مولانا محمود حسن يقول‏:‏ إنه مُدْرجٌ من الراوي، ثم وجدتُ عند الدارقطني ما أحْكَمَ رَأيَه ودلَّ صراحةً على أنه مدرجٌ‏.‏

والفصل عندي في هذا الباب أن زكاةَ الإِبل قد أخذت بالنحوين‏.‏ ومن المُحال أن يكون علي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما قد أخذا الزكاة على مختارِ الشافعية وغيرهم بالكوفة‏.‏ ثم يكون أبو حنيفة اختارَ خلافَه، وهو بالكوفة أيضًا، فلا بد أن تكون الزكاةُ أُخِذت بالكوفة، كما اختاره الحنفية، وبالمدينة كما اختاره مالك، وآخرون، فهما متواتران قطعًا، والرجل مخيرٌ بينهما بأي نحو شاء أدَّاها‏.‏ وإنما الخلافُ في الاختيار لا غير، هكذا صَرَّح به ابن جرير في «تهذيب الآثار»‏:‏ هذا باب أخذ العَنَاق‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ وقد علمت تفصيلَه فيما مر، وأنه جائز عندنا أيضًا في بعض الصور، وهو فيما إذا ماتت الكبار، وبقيت الصغار فقط‏.‏

باب‏:‏ زَكاةِ البَقَر

ولم يكن عند المصنف في هذا الباب حديثٌ على شرطه، فأراد أن لا يخلو كتابَه من تلك المسألة المهمة أيضًا، لأنه قد بَسَط فيه الفِقه أيضًا، فأشار إليها فقط، ومضى، ولله درُّه ما أدقَّ نَظَرَه‏.‏

باب‏:‏ الزَّكاةِ عَلَى الأَقَارِب

اختار التعميم، ولم يُفَصِّل بين الأصول والفروع، وغيرهم‏.‏ وعندنا لا تجوزُ على الأصولِ والفروع‏.‏ ولما لم يكن الحديث في الزكاة لم نحتجْ إلى جوابه‏.‏ أما المصنفُ فطريقُه أوسعُ في الاستدلال، كما علمت‏.‏

1461- قوله‏:‏ ‏(‏فقسمها‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، دل على أنها كانت صدقةً، ولو كانت وقْفَا لم يقسمها‏.‏

1462- قوله‏:‏ ‏(‏زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم‏)‏، ولا بد للحنفية أن يحملوه على التطوعِ، فإن الزكاةَ لا تصرفُ عندنا على مَنْ وَجَبت نفقتُه عليه‏.‏

باب‏:‏ لَيسَ عَلَى المُسْلِمِ في فَرَسِهِ صَدَقَة

باب‏:‏ لَيسَ عَلَى المُسْلِمِ في عَبْدِهِ صَدَقَة

واعلم أن الخيلَ إذا كانت تُعلفُ للركوب أو الحمل أو الجهاد، فلا زكاةَ فيها إجماعًا، وإن كانت للتجارة ففيها زكاة إجماعًا‏.‏ وأما إذا كانت تُسامُ للدَّرِ والنَّسل- وهي ذكورٌ وإناث- تجب فيها الزكاة، كذا في «البدائع»‏.‏

ثم العبيد إذا كانوا للتجارة تجبُ فيهم الزكاة إجماعًا، فلا بد أن يرادَ من العبيد عبيدُ الخِدْمة عندهم أيضًا‏.‏ قلتُ‏:‏ فكما أنهم حملوا العبيد على الخدمة، كذلك حَمَلنا الفرسَ عليها أيضًا‏.‏ وأخذ عمرُ زكاتَها، كما بينه الزَّيْلَعي‏.‏ ووجه خفاءِ المسألة فيها أن الخيلَ كانت في عهده صلى الله عليه وسلّم في غاية القِلَّة، حتى لم تكن في بدرٍ إلا ثلاثةُ أفراس، فأين كان لهم ما يَسُومونها للنَّسل حتى تجبَ فيها الزكاة‏.‏ مع أنَّ المأخوذَ منها ليس في حكم الزكاة عندنا من كل وجه، فله أن يؤدي عن كل فرس دينارًا، أو يقومها، ثم يؤدي عنها زكاتَها بحسبها، بخلاف زكاةِ السوائم، فإن المأخوذَ منها معينٌ من جهة الشرع‏.‏ وكذا لا يُجبَرُ صاحبُها أن يدفعَ زكاتَها إلى بيت المال، بخلاف زكاة السوائم، فإِنها حقُّه فقط، وليس له أن يدفعها بنفسه‏.‏

وبالجملة صارت المسألة فيها كالاجتهاديات، فمتى يردُ لفظُ الصدقة فيها نحملهُ على الزكاة، ويحملونه على التطوع، وهذا هو صنيعنا وصنيعهم في أمثال هذه الأحاديث، وما ذلك إلا لعدم انكشاف الحال‏.‏

باب‏:‏ الصَّدَقَةِ عَلَى اليَتَامى

باب‏:‏ الزَّكاةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالأَيتَامِ في الحِجْر

وحاصلُ الحديثِ أن الخيرَ لا يترتبُ عليه الشر إذا استعمله بالمعروف، نعم، إن استعمله لا على وجهه أنتجَ الشَّرَّ‏.‏

1465- قوله‏:‏ ‏(‏ما أعطى منه المسكين‏)‏ أي ما دام يعطي المساكين من ماله‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَفِى الرّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 60‏)‏

باب‏:‏ الاسْتِعْفَافِ عَنِ المَسْأَلَة

باب‏:‏ مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ شَيئًا مِنْ غَيرِ مَسْأَلَةٍوَلا إِشْرَافِ نَفسٍ ‏{‏وَفِى أَمْولِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ‏}‏ ‏(‏الذاريات‏:‏ 19‏)‏

باب‏:‏ مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا

أي فكذلك الرِّقاب، بأن يؤدي عنه بدَل الكتابة، أو يعينَ عليه‏.‏ والغارم‏:‏ المديون، بشرط أن لا يكون عنده نِصاب‏.‏ وعند الشافعي هو الذي تحمَّلَ غَرَامةً، وإن كان له مال‏.‏

ويُعلم من كلام «البدائع»‏:‏ أن تفصيل الشافعية محتملٌ عندنا أيضًا، فلتراجع عبارته‏.‏

واختلف أئمتنا في تفسير ‏(‏في سبيل الله‏)‏، فقيل‏:‏ مُنْقَطَع الغُزَاة؛ وقيل‏:‏ مُنقَطَع الحجاج‏.‏ والمراد منه عند البخاري جميع أبواب الخير، ولا يشترط فيهم الفقرُ عندنا أيضًا، ولا يُشترط عنده التمليك في الزكاة أيضًا‏.‏ ولذا جوز الإِعتاق عن مال الزكاة، وعندنا يشترط التمليك‏.‏ وفي «البحر» إن المراد من الإِطعام في القرآن هو الإِباحة، ومن التصدُّقِ التمليكُ‏.‏ وراجع الفرقَ بين الإِباحة والتمليك من «شرح الوقاية»- من باب التيمم والعارية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في أيها أعطيت‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وهو مذهب الحنفية، فلا يُشترطُ عندنا صرفُها إلى جميع الأصناف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي لاس، حملنا النبي صلى الله عليه وسلّم على إبل الصدقة للحج‏)‏، قلنا‏:‏ إن كان أُعطي لهم للركوب فقط، فذا جائز عندنا أيضًا، وإن كان ملَّكَهم، فراجعْ له الفِقه، فإِنه صحيحٌ أيضًا على مذهب أحد صاحبيه‏.‏ والظاهرُ أنَّ فيه تمليك المنفعة دون العين‏.‏

1468- قوله‏:‏ ‏(‏ما ينقم ابن جميل‏)‏ أي ما يُكْره أو سكوابرانهين معلوم هوتا‏.‏

‏(‏قصة ابن جميل وتَمنُّعه عن دفع الزكاة‏)‏‏.‏

وقصته أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان دعا لسَعةِ ذات يده،- وكان في بؤسٍ وشدَّةٍ- فأغنَاه اللهاُ تعالى ببركة دعائه صلى الله عليه وسلّم فكان يَحضُر الجماعةَ ما دامت سارحته وَسِعتها المدينة، فلما كثرتْ من ذلك جعل يسكُن البادية، وترك الجماعةَ، وكان يحضُر الجمعة فقط، فلما صارت أكثرَ من ذلك تركَ الجمعة أيضًا، حتى إذا جاءه ساعي رسول الله صلى الله عليه وسلّم يطلبُ زكاةَ ماله، قال‏:‏ إني لأراها جِزْيةٌ، فمنع النبيُّ صلى الله عليه وسلّم أن تؤخذَ منه الزكاة، فلم تؤخذ منه حتى لم يأخذ منه الخلفاء أيضًا رضوان الله تعالى عليهم أجمعين‏.‏

قلتُ‏:‏ وكان ينبغي لابن جميل أن يؤديَ زكاتَه بنفسه، وإن كان الخلفاء لم يأخذوها منه، رجاءً من الله أن يتوب عليه‏.‏ فإِن عدم قَبُوله صلى الله عليه وسلّم زكاتَه إنما كان لأمر تكويني، ولا يرتفع عنه التشريع‏.‏ وقد قدَّمنا التنبيهَ على أن التشريعَ لا يرتفعُ بحال، وإن انكشف التكوين‏.‏ وأجد أن بعضهم لُعن من لسان صاحب الوحي، ثم آلَ أمرُهم إلى الخير آخرًا، فلعله يتوبُ فيتوبُ الله عليه‏.‏

‏(‏نسبة الإغناء إلى الرسول صلى الله عليه وسلّم من باب المجاورة‏)‏

1468- قوله‏:‏ ‏(‏فأغناه الله ورسوله‏)‏، ونسبة الإِغناء إلى الرسول ههنا على طريق المجاورة فقط، فإِن المباشر حقيقةً هو الله تعالى، ورسولُه مسبِّبٌ فقط‏.‏ إلا أنه يُسامَحُ في العرف، فيسندُ الفعل إلى المسبِّب، كالمُبَاشر، فهذه دقيقةٌ ينبغي أن لا يُغْفَل عنها‏.‏ وقد نَبَّه عليها القرآن أيضًا، وهو قوله تعالى ‏{‏لاَ تَقُولُواْ رعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 104‏)‏ حيث لم ينه عنه ابتداءً، حتى إذا رأى في إطلاق هذا اللفظ مضرةً، من حيث إن اليهود كانوا يلوون ألسنتَهم فيه، نهى عنه‏.‏ فالمسألة في إطلاق الألفاظ التي يكون لها وِجْهةٌ من الجَوَاز أن يُغمضَ عنها ما لم تقع منه مضرةٌ‏.‏ وهذا كما ترى في نسبة الإِغناء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فإِنه إن أوْهَمَ نسبتُه إليه على طريق الحقيقة فهو ممنوعٌ قطعًا، وإن لم يبالغ فيه الجهلاء، وأطلقوه على وجهِهِ فهو جائزٌ ولا ريب، كيف وقد وقع في الحديث ونحوه لفظ‏:‏ يا رسول الله‏.‏

1468- قوله‏:‏ ‏(‏وأما العباس‏)‏ قيل‏:‏ إن العباس إنما أنْكَرَ الزكاة لأنه أحسَّ ترفعًا في كلام عمر‏.‏ أما عمر فإنه كان عمر، لكنَّ العباسَ كان عمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم وإنما عم الرجل صِنْو أبيه، فَكَرِه منه الكلام‏.‏

وحينئذٍ معنى قوله‏:‏ ‏(‏ومثلها معها‏)‏ إنكم تزعُمون أنه ينكرُ الزكاةَ، وأنا ضامنٌ له أنه يُعطي لكم زكاته مرَّتين‏.‏ وقيل‏:‏ إنه لم يُنكر الزكاةَ، ولكنه صلى الله عليه وسلّم كان يستوفي منه الزكاة لسنتين، فأنكرها، لأن زكاتَه كانت دينًا على بيت المال، ثم طلب عمر منه الزكاة‏.‏ ثم إنهم قالوا‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يستقرضُ منه زكاتَه، ويصرِفها في المصارف الأخرى التي كانت على بيت المال‏.‏ فإِذا جاء فيه مالٌ كان يؤدي منه عما صرَفَه من الزكاة‏.‏

ولذا أفتيتُ لأصحاب المدارسِ أنْ يصرفوا مالَ الزكاة الذي عندهم في غير مصارفها دَيْنًا عليهم، فإِذا جاء عندهم مالٌ في ذلك المصرفِ يؤدُّوه عما صَرَفُوه من مال الزكاة‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏لاَ يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 273‏)‏ وَكَمِ الغِنَى

قال السيوطي‏:‏ معناه لا يسألونَ الناسَ فيُلحِفُوا إلحافًا، يعني به أن المدحَ ليس على عدمِ سؤالهم المقيد بالإِلحاف‏.‏ فإِن السؤالَ منفيُّ عنهم رأسًا، ولكن من عادة الإِنسان أنَّه إذا سأل وسأل، فإنَّ سؤاله ينتهي إلى الإِلحاف لا محالة‏.‏ وقال الشيخ ناصر الدين بن المُنَيِّر‏:‏ إن القيدَ لمزيد التقبيح على نحو قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَآء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 33‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لاَ تَأْكُلُواْ الرّبَا أَضْعَفاً مُّضَعَفَةً‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 130‏)‏‏.‏

وفي «الكنز» أن السؤالَ حرامٌ على مَنْ كان عنده قوتُ يومٍ وليلة‏.‏ وراجع أقسامَ الغني من «البحر»‏.‏ وقد اختلفت الروايات فيه عند الطحاوي‏.‏ والفصلُ عندي أنه يختلِفُ باختلافِ الأحوال والأشخاص، وليست فيه ضابطةٌ كُليةُ، وبهذا يحصلُ الجمع في جملة الروايات في ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يحسبُهم الجاهلُ أغنياءَ من التَّعفُّف‏)‏ والتفعُّلُ للتكلف، وليس على معنى أنَّهم يتكلفونَ فيه، فإنه مذمومٌ، بل على معنى أنهم ليسوا بأغنياء في الحقيقة، ولكنهم يتكلّفُون ويَظهرُون كأنهم أغنياء تَعفُّفًا عن السؤال‏.‏

1478- قوله‏:‏ ‏(‏والله إني لأراه مؤمنًا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وهو على حدِّ قولِ عائشة لولدٍ ماتَ من الأنصارَ‏:‏ «عصفورٌ من عصافير الجنة»، وقد قررناه في مواضع‏.‏

باب‏:‏ خَرْصِ التَّمْر

واعلم أن السَّلاطين كانوا يَبعثُون أمينًا لهم- يُسمَّى الخَارِصُ- إلى أصحابِ النخيلِ، لِيَحْزِرَ ثمارهم، ثم يُخلِّي بينهم وبين ثمارهم، فإذا بلغ وقت الجُذَاذ، يستوفي منه بحساب ما خَرَصَ‏.‏ والنفعُ فيه أن لا يخونَ فيها أصحابَ المال، فيتضرَّر منه بيت المال، وأن يبقى المالكون في فُسحة من الإِنفاق كيف شاؤوا، فكان ذلك أيسرُ لبيت المال والمالكين جميعًا‏.‏ واعتبره الحنفية أيضًا، إلا أنهم لم يجعلوه حجةً ملزمةً، وإليه ذهب مالك‏.‏ فإنْ وقع الاختلافُ بين الخارِصِ والمالك لا يُقضى عليه بقولِ الخارصِ فقط‏.‏

فإن قلت‏:‏ فأيُّ فائدةٍ في الخَرْص‏؟‏ قلتُ‏:‏ الفائدةُ ما قد علمتَه آنفًا من اليُسر للجانبين‏.‏ ومن سوءِ بعض عباراتِ أصحابِنا، نُسبَ إلينا عدمُ اعتباره مطلقًا، وليس بصواب، فإن الأحاديثَ قد وردت به صراحةً‏.‏ وجعل الشافعيُّ قولَ الخارص حجةً إن ظهرَ خلافُه بعد الكيل‏.‏ ولهم في التَّضمِين قولان‏:‏ التضمين، وعدمه، والأظهرُ هو الأول‏.‏ قلتُ‏:‏ وعلى الثاني لم يبق بينَنَا وبينهم كثيرُ فرقٍ‏.‏

والحاصل‏:‏ أن الخَرْصَ ليس أمرًا فاصلا عندنا‏.‏ والنفعُ فيه أن يبقى للمالكين تذكارًا للخرص، فلا يرزأوا حق الفقراء‏.‏ والذي يدل على أن الخرصَ تخمينٌ فقط، قوله صلى الله عليه وسلّم للخارصين‏:‏ «دعوا الثُّلُثَ، فإن لم تدعوا الثلث، فدعوا الربع»، فدل على أنه أمرٌ تقريبيُّ فقط‏.‏ وليس من اللازم أن يكون ما خَرَصه صحيحًا، فإن الإِنسانَ قد يغلطَ في الحزْرِ، فأمرهم أن ينقِصُوا منه الثلث أو الربع، لئلا يتضرَّرَ به المالكون‏.‏ ولو كان أمرًا فاصلا لما ردد بالثلث أو الربع، فإن الثلث قد يزيد على الربع بمقدارٍ كثير، فالاستثناء بالترديد مع التفاوتِ الفاحش بين الثلث والربع، يدلُّ على أنه أمر تخمينيٌّ لا غير‏.‏ وقد اختلف الناسُ في شرح الجملة المذكورة على أقوال، وجرَّها كلٌّ منهم إلى مذهبه‏.‏ وقد ذكرناها ما لها وما عليها في أمالي «جامع الترمذي»‏.‏

1481- قوله‏:‏ ‏(‏فألقته بجبل طيء‏)‏، وفي الشروح‏:‏ إنه لم يمت، ولقي النبيَّ صلى الله عليه وسلّم بعد ما رجع‏.‏

1481- قوله‏:‏ ‏(‏إني مُتعجل إلى المدينة‏)‏، لا يريد به السرعة في السير، بل الذهابَ من أقرب الطريقين‏.‏

1481- قوله‏:‏ ‏(‏هذا جبل يحبنا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، فيه دليلٌ على أنَّ في الجمادات أيضًا شعورًا‏.‏ ثم إن أُحدًا من الجنة، وأن عَيْرًا من جهنم‏.‏ وظني أنه إذنْ لا يكونُ يسبِّحُ، وقد رأيت في رواية أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم مرّ على الجندان- جبل بناحية مكة- فقال‏:‏ «سبق المفردون» وكنت أتفكَّرُ في معناه، وأنه لم قال هذا عند هذا الجبل‏؟‏ حتى رأيت في «الوفا» للسَّمْهُودي، أنه كان يشير إلى قولِ شاعر‏:‏

باب‏:‏ العُشْرِ فِيما يُسْقَى مِنْ ماءِ السَّمَاءِ وَبِالمَاءِ الجَارِي

قوله‏:‏ ‏(‏ولم ير عمر بن عبد العزيز في العسل شيئًا‏)‏ ولنا في وجوب العشر مرسلٌ جيدٌ، أخرجه الزَّيلعي‏.‏ وما عند أبي داود‏:‏ «في كلِّ عَشْرة أَزُقَ زِقٌّ»‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ- بالمعنى- ‏.‏

1483- قوله‏:‏ ‏(‏وكان عثريا‏)‏، وهو من العثور، وهو الشجر الذي لا يحتاج إلى سَقْىٍ، بل يشربُ الماءَ بعروقِهِ، كالشجر على شطِّ الأنهار‏.‏

‏(‏الكلام حول العام والخاص والمبهم والمفسر‏)‏

1483- قوله‏:‏ ‏(‏قال أبو عبد الله‏:‏ هذا تفسير الأول‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ وحاصل ما ذكرْ المصنفُ أنَّ حديث ابن عمر مبهمٌ، ليس فيه بيانٌ للنِّصاب، وحديث أبي سعيد الآتي حديث مفسرٌ لما فيه من بيان النصاب‏.‏ وأرادَ من الحديثِ المبهمِ الحديثَ العام، ومن المفسر الحديثَ الخاص‏.‏ فإِذا تعَارض الخاصُّ والعام، والمبهم والمفسر، يحملُ المبهمُ على المفسر، والعامُّ على الخاص، لما في المفسرِ والخاص زيادة ليست في المبهم والعام‏.‏ والأخذ بالزائد فالزائد أولى ‏(‏تعارض العام والخاص‏)‏‏.‏ وقلنا في المسألة الأصولية‏:‏ إن العام والخاص إذا تعارضا، فإن كان الخاص مؤخرًا متراخيًا يُجعل ناسخًا للعام بقدر ما تناوله الخاص، ويبقى العامُّ محكمًا في الباقي، وإن لم يُدر التراخي، أو التاريخ يعطى له حكم التعارض، ويصار إلى الترجيح‏.‏ وأقول في مقابلة تعبيرهم‏:‏ إنَّا نُعطي كلَّ ذي حقٍ حقَّهُ، كما أنهم يأخذون بالزائد فالزائد‏.‏ قال الشوكاني‏:‏ لما تعارض الأمر بالإِنصات والقراءة أخرجنا الفاتحة عن حكم الإِنصات، وأبقينا حكمه فيما بقي‏.‏ قلتُ‏:‏ لما تعارض الأمران أخرجنا المقتدي عن حكم القراءة، فأخذناه بحَسَب الأشخاص، كما أخذه الشوكاني باعتبار القراءة‏.‏

باب‏:‏ لَيسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أَوسُقٍ صَدَقَة

واعلم أنَّ النِّصاب في السوائم والنقدين إجماعًا‏.‏

أما الزرعُ والثمارُ ففيهما أيضًا نصابٌ عند الثلاثة، وأما عند الإِمام أبي حنيفة ففي قليلها وكثيرها العُشر، وهو ظاهر القرآن‏.‏ كما علمته من قبل، وأقر به ابن العربي‏.‏ وبذلك عملَ الخليفة العَدْل عمر بن عبد العزير، فكتب إلى عُمَّاله أن يأخذوا العشر من كل قليل وكثير، كما أخرجه الزيلعي، فدل على أنه جرى به التعامل‏.‏ وهو مذهب مجاهد، والزهري، وإبراهيم النَّخَعي، كما في «فتح القدير» أيضًا‏.‏

وأما قوله صلى الله عليه وسلّم «ما أخرجته الأرض ففيه العشر» فهو للإِمام أبي حنيفة خاصة، لا يشاركه فيه أحد‏.‏ فإذا شهدَ لنا ظاهر القرآن، والحديثُ الصريح، وتعامل السلف، لم يبق ريبٌ في ترجيح مذهبنا‏.‏

أما وجه قوله صلى الله عليه وسلّم في حديث أبي سعيد‏:‏ «ليس فيما دون خمسةِ أوسقٍ صدقة» فهو عندي محمولٌ على العَرِيّة، كما سنفصله‏.‏

قال ابن الهمام‏:‏ تعارض فيه العام والخاص في مِقْدَار خمسة أوْسق، ولا ريب أن الاحتياط بالإِيجاب، فقلنا به‏.‏ وقال صاحب «الهداية»‏:‏ إن الحديث ورد في زكاة التجارة دون العشر، وذلك لأنهم كانوا يتبايعون بالأوْسَاق، وقيمةُ الوَسْق يومئذ كانت أربعين درهمًا، فيكون قيمة خمسة أوسق مئتي درهم، وهو نصاب الزكاة‏.‏ وحاصله أنهم نقلوا حديثَ التجارة إلى باب آخر، فَحدَثَ التعارض، مع أن الحديث العام كان في العشر، وذلك في زكاة التجارة، فلا تعارض أصلا‏.‏

وقال الشيخ بدر الدين العيني في «شرح البخاري»‏:‏ إن المراد من الصدقة، الصدقاتُ المتفرقة، وهي من الحقوق المنتشرة التي قد تجبُ في الأموال سوى الزكاة، فالحديث عنده ليس من باب العُشر‏.‏ كما حمل عليه الجمهور، ولا من باب الزكاة، كما قال به صاحب «الهداية»، بل من باب الحقوقِ المنتشرة‏.‏ وحاصله أن تلك الحقوق لا تؤخذُ ممن كان عنده هذا المقدار‏.‏

قلتُ‏:‏ ويرد على هذه الأجوبة كُلِّها ما عند الطحاوي ص 215- ج1‏:‏ «ما سقت السماء، أو كان سَيْحًا، أو بَعْلا ففيه العُشر إذا بلغ خمسة أوْسق»‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث؛ وإسناده قوي‏.‏ وفيه سليمان بن داود، وليس بابن أرقم الذي هو ضعيف، بل هو رجل آخر صَرَّح به أبو بكر بن عاصم الظاهري في «كتاب الديات»‏.‏ فإِنه يدلُّ على أن الحديثَ في العشر لا في الصدقات المتفرِّقة، كما ذهب إليه العيني‏.‏ ولا من باب التجارة، كما اختاره صاحب «الهداية»‏.‏

والذي وضح لدَيّ في هذا المطلب أنه محمولٌ على العَرِيَّة، وتفصيلُه ينبني على مقدمةٍ، وهي أن زكاةَ السَّوائم، والخارج من الأرض من حقوق بيت المال، فيأخُذَها الساعي ويرفعها إليه، وليس لأصحاب الأموالِ أن يدفَعُوها إلى المساكين بأنفسهم‏.‏ أما زكاةُ الثمارِ الرَّطْبة فيلزم من كُتُب الحنفيةِ أنَّه يجوزُ دفعُها للمالكين أيضًا، ولا يجب دفعُها إلى بيت المال، وإن لم يكتُبُوه، بشكل المسألة، فإِنها مما يَتَسَارعُ إليه الفساد، فيتعسَّر حملُها إلى بيت المال، أو يتعذر، فيصرفها المالك في مصارفها بنفسه‏.‏ كما قال الشيخ ابن الهمام في قوله صلى الله عليه وسلّم «ليس في الحضْراوات صدقة»‏.‏

إنَّ النفي فيه محمول على صدقةٍ تُرفع إلى بيت المال، فلا دليلَ فيه على نفي الصدقة رأسًا‏.‏ فخرجَ منه أن المسألةَ فيما يتسارعُ إليه الفساد، أن لا ترفعَ زكاتُه إلى بيت المال، بل يؤديها صاحبها بنفسه‏.‏ وفيه إشارة إلى أن إطلاقَ الصدقة في عُرفهم كان على صدقة تُرفع إلى بيت المال‏.‏ وأما ما كان يصرِفه الرجل بنفسه فلم تكن تُسمَّى صدقة، وهذا عرف معقول‏.‏ فإِن بيتَ المال إذا لم يأخُذْها وتركها إلى المالكين لينفقوها في سُبُل الخير كيف شاءوا، صارت في نظره كأن لم تكن، لم يبق له عنها بحث‏.‏ فهي عفو بمعنى عدم أخذها منهم، لا بمعنى عدم الوجوب رأسًا‏.‏

كيف والله سبحانه قد أوجب فيه العُشرَ عندنا‏.‏ وبعبارة أخرى أنه إذا لم تظهر، لوجوبها ثمرةٌ لبيت المال صارَ كأنه لم يجب في نظره، فصحَّ التعبيرُ بالعفو مرة، ونفي الصدقة أخرى‏.‏ ومن ههنا ظهر لك شرح آخر لقوله صلى الله عليه وسلّم «عَفَوت عن صدقةِ الخيل»، فلعله لم يرد بذلك نفيَ الزكاة رأسًا، بل عدم وجوب أدائها إلى بيت المال على شاكلة الأموال الباطنة، فصار عفوًا بهذا المعنى‏.‏

إذا علمت هذا، فاعلم أن العربَ قد جرت عادتهم بأنهم كانوا يُعيرون أشجارًا للفقراء ليأكلوا من رطبها، فأباح لهم الشرع أن يفعَلُوها في خمسة أوسق، ثم أمر عامِليه أن لا يأخذوا منها شيئًا، لأنه يُؤدي إلى تثنية الزكاة في سنة‏.‏ أو امتناعِ الناس عن الإِنفاق بأنفسهم، وكان مما لا بُد لهم بحَسَب عاداتهم، فعفى عنهم لهذا‏.‏ وحينئذٍ صارت شاكلتُه شاكلة قوله صلى الله عليه وسلّم «عفوت عن صدقة الخيل»، وقوله صلى الله عليه وسلّم «وليس في الخضراوات صدقة» على شرحنا‏.‏ فإنَّ الزكاةَ في كلها منفية باعتبار رفعِها إلى بيت المال، لا لعدم وجوبها‏.‏

بقي مطالبة البرهان، على أن تلك الخمسة هي التي في باب العَرِيَّة، أو غيرها، وأنَّ عدمَ أخذ الزكاة من هذه الخمسة لكونها عَرِيَّة، أو لعدم وجوب الزكاة فيها‏.‏ فأقول وبالله التوفيق‏:‏ أما إن خمسة أوْسُق هذه هي التي فيها العَرِيَّة، فلما أخرجه الطحاوي‏:‏ ص 212 عن أبي هريرة مرفوعًا «أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم رخص في بيع العَرَايا في خمسة أوْسُق، أو فيما دون خمسة أوسق»‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، فلما رأيتُ أنه رخص فيه بالعَرِيَّة في هذه الأوسق، ثم رأيت في باب الزكاة تلك بعينِها لم توجب فيها صدقة، قلتُ‏:‏ ما بالُ هذه اعتبرت في الموضعين‏:‏ خمسة ههنا، وخمسة هنالك‏؟‏ وحينئذ تَحدَّس لي أنَّ بينهما ربطًا لا محالة، أَوْجَب الرُّخصةَ فيها في الموضعين‏.‏

ولم أزلْ أتفكَّر فيه حتى ظهر لي أنَّ الشرعَ لما رخصه بالعَرِيَّة في تلك المِقْدَار بنفسه نظرًا إلى أنه يتصدق فيها بنفسه، وجب له أنْ يُخففَ الصدقة عنها، كي لا يؤدي إلى تثنية الزكاة في سنة واحدة‏.‏ وحينئذٍ حكم ذِهني أن خمسةَ أوْسُق في باب الزكاة هي التي رخصَ فيها في البيوع‏.‏ ومن ههنا ظهر وجهُ اختلافهم في وجوب العشرِ في خمسةِ أوسقٍ، وذلك أنَّ صدقَتَها لمّا لم تكن ترفعُ إلى بيت المال حمله بعضهم على نفيها في هذا المقدار مطلقًا، وحمل بعضهم على أنَّ صدقَتَها وإن لم تُرفعْ إلى بيت المال، لكنها لم تخل عن إيجاب حق، قالوا بالعشر، كالحلب يوم ورود المواشي، تركه الشارع إلى حسبة المالكين، ولم يدخل فيه‏.‏ فكذلك الصدقة في خمسة أوْسُق‏.‏

ثم لم أزل أطلب له نقلا، فوجدت في «كتاب الأموال» لأبي عبيد أن الخمسة في باب الزكاة هي خمس العَرَايا، فلله الحمد على التَّوَاردِ‏.‏

وأبو عُبيد هذا تلميذُ محمد، ومعاصرٌ لأحمد، وابن مَعِيْن‏.‏

ثم إنهم إن اختلفوا في تفسير العَرِيَّة، فذلك بحثٌ آخر يجيءُ في موضعه‏.‏ فثبت الأمر الأول‏.‏

وأما إن التخفيف فيها نظرًا إلى كونها عَرِيَّة لا لنفي الزكاة رأسًا، فقد كشفه ما عند الطحاوي‏:‏ ص 315 عن مكحول بإِسناد جيد مرسلا‏:‏ «خففوا في الصدقات، فإنَّ في المال العَرِيَّة، والوصية»، وهو في «مراسيل أبي داود»، و«التمهيد» لأبي عمر، إلا أنَّ لفظ أبي داود‏:‏ «الواطئة»، وأبي عمر و«الوطية»، بدل «الوصية»، وهي ما تَطَأُه الأرجل، ولعل الصواب، كما في «المراسيل»‏.‏ فدل على أنَّ أمرَ التخفيف في الصدقات لم يكن، لأنه لا زكاةَ فيها، بل لكونها العَرِيَّة فيها، وبه أمر الخلفاء أيضًا، كما أخرجه البيهقي أن أبا بكر، وعمر رضي الله عنهما كانا يأمران سُعاتهما، أن لا يخرُصُوا خُمس العَرَايا‏.‏ وبمثله شرحوا ما عند أبي داود‏:‏ ص 226‏:‏ «إذا خَرَصتُم فجُزوا ودعوا الثُّلث، فإنْ لم تدعوا الثلث فدعوا الربع»‏.‏ ونقل الخَطَّابي أنه قال في «شرحه»‏:‏ إن معناه أن اتركوا لهم ذلك ليتصدقوا منه على جيرانهم، ومن يطلب منهم، لا أنه لا زكاة عليهم في ذلك‏.‏ اهـ‏.‏

فلما جاز لهم أن يحملوا رفعَ الصدقةِ عن الثلث والربع، رعاية لهم ليتصدقوا على الجيران، لا لانتفاء الزكاة فيها، جاز لنا أيضًا أن نحملَ نفي الصدقة في خمسةِ أوْسُق لمعنى العَرِيَّة، لا لعدم الزكاة فيها‏.‏ والعَرِيَّة عندنا أيضًا تصدقٌ على الققراء، فإِن هم جوَّزوا التخفيف في الثلث الذي أمكن أن يزيد على خمسة أوسُقٍ بمرّات، فقد جوّزناه في أقل منه، فلم جلبوا علينا‏؟‏

وحينئذٍ خرج جزءُ الجواب من نفس الحديث، أعني كونَ تلك الخمسة من العَرِيَّة، وأن نفَي الصدقة عنها نظرًا إلى العَرِيَّة، وهذا ما كنا نريده‏.‏

ومحصل الجواب أن النفي في حديث أبي سعيد ليس لثبوت النِّصاب في الثمار، وأن خمسة أوسق تبقى في ناحية بيته، لا تجبُ عليه فريضة الله، بل لأنه يتصدَّقُ فيها بنفسه، فلا تُؤخذ منه صدقة ترفعُ إلى بيت المال‏.‏ وأما حديث ابن عمر فبيانٌ للواجبِ في نفس الأمر، سواء رُفع إلى بيت المال، أو أمر بأدائه بنفسه، فلا تعارض أصلا‏.‏

ثم إني تمسكتُ للمذهب بما عند الطحاوي‏:‏ ص 213 بإِسناد قوي، ولم أر أحدًا منهم تمسك به عن جابر بن عبد الله‏:‏ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم رخص في العَرِيَّة في الوَسْق، والوَسْقين، والثلاثة، والأربعة؛ وقال‏:‏ في كل عشرة أقناء قنو، يُوضع في المسجد للمساكين»‏.‏ اهـ‏.‏ والقِنَوْ‏:‏ العِذْق بما فيه من الرطب‏.‏ ومرادُه عندي أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم إنما أجاز بالعَرِيَّة إلى أربعة أوْسُق‏.‏ وأما المسألة فيما زاد فهي كما ذكرها فيما بعد، أعني إيجاب العُشر، حتى أوجب في عشرة أَقْنَاء قِنوًا‏.‏ وحينئذ صار الحديثُ صريحًا فيما رامه الحنفية‏.‏

وإنما لم يتمسك به الطحاوي، ولم يخرجه في باب الزكاة لأنه يمكن أن يكون الأمرُ بوضع الأَقْنَاء من تلك الأَوْسُق التي أجاز فيها بالعَرِيَّة، وحينئذ لا يكون القِنْو زكاةً، وعشر إبل من العرية‏.‏

وأما ما قررت من المراد، فالاستدلال منه قائم‏.‏

ثم إن الحديث أخرجه ابن أبي شيبة متنًا وسندًا في «مصنفه»، ومر عليه الحافظ في موضعين، ولم ينقله بتمامِهِ، بل قال بعد قطعة منه‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏ وأنا أعلمُ ما يريدُ، ولعله تفطَّنَ أن الجملة الأخيرةَ تنفعُ الحنفية، فأراد أن يتركَهم في غَفْلة‏.‏ وقد جربتهُ مِرارًا في مثل هذه المواضع‏.‏ وهذا الحديث أخرجه أبو داود‏:‏ أيضًا في باب حقوق المال إلا أن لفظه‏:‏ «أمر من كل جادّ عشرةِ أوسقٍ من التمر بقِنْوٍ يعلق في المسجد للمساكين»‏.‏ اهـ‏.‏ فانقلب منه مرادُه، ولم تبق لنا منه حجة، وغَلِطَ المحشون في شرحه‏.‏ قلتُ‏:‏ وينبغي الاعتماد على لفظ الطحاوي، والمصنف‏.‏

باب‏:‏ أَخْذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ وَهَل يُتْرَكُ الصَّبِيُّ فَيَمَسُّ تَمْرَ الصَّدَقَة

نُقِلَ عن أبي حنيفة أنَّ حق الفقراء يتعلقُ عند بُدُو الصلاح‏.‏ وعن أبي يوسف‏:‏ أوان الحصاد‏.‏ وعن محمد‏:‏ بعد الحصاد، وهو ظاهر القرآن، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَءاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ‏}‏ ‏(‏الأنعام‏:‏ 141‏)‏، ولعل المصنفَ مال إلى مذهب الإِمام، حيث جعل الاستيفاءَ عند الحصادِ وصِرَام النخل، وذكر الوجوبَ في تراجم أخرى‏.‏ وليس مراده أن الوجوبَ أيضًا حين صِرَام النخل، بل الوجوبُ قَبْله، نعم، الاستيفاء عند الحصاد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهل يترك الصبي‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وهذا إنجاز على ما مرّ من اصطلاحنا‏.‏

باب‏:‏ مَنْ بَاعَ ثِمَارَهُ أَوْ نَخْلَهُ أَوْ أَرْضَهُ أَوْ زَرْعَهُ، وَقَدْ وَجَبَ فِيهِ العُشْرُ أَوِ الصَّدَقَةُ، فَأَدَّى الزَّكاةَ مِنْ غَيرِهِ، أَوْ بَاعَ ثِمَارَهُ وَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الصَّدَقَة

واعلم أن هذه الترجمةَ مشكلةٌ‏.‏ والمرادُ من النخل هي التي عليها الثمار، ومن الأرض هي التي عليها الزرع، لأن الصدقةَ لا تجبُ في نفس النخل والأرض‏.‏ وقوله‏:‏ «أو باع ثماره، ولم تجب فيه الصدقة» تعميم بعد تخصيص‏.‏ والحاصل‏:‏ أن المالكَ إن باع ثمارَه، أو زرعَه‏.‏ فقط، أو مع النَّخيل والأرض معًا، فهو جائز مطلقًا‏.‏ سواء باعها بعد ما وجب فيه العُشر أو قبله، لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لم يمنع أحدًا عن بيع ثماره، أو زرعه بعد بدوِّ الصلاح، ولم يفرق بين مَنْ وَجَبتْ عليه الصدقة، وبين من لم تجب، فدل على أنه جائزٌ مطلقًا‏.‏

نعم، إذا باع بعد ما وجب فيه العُشر يؤدي العشرَ من غيره لا محالة، فإِنَّها قد بِيْعت، وقد تعلقت الزكاة بذمتِهِ، فيُعطي قيمَتَها قدر العُشر من عنده‏.‏ وقد علمتَ أن الاستبدال بالقيمة جائزٌ عنده‏.‏ ولعلك علمتَ أنَّ هذه الترجمةَ أليقُ بالبيوع، وإن أمكن دَرْجُها في الزكاة أيضًا‏.‏

ثم الإِشكالُ فيها أنه لا يَدري ماذا أراده المصنف من قوله‏:‏ وقد وجب»‏؟‏ هل أراد الوجوب باعتبار النصاب، أو باعتبار الوقت‏؟‏ وعلى الأول معناه‏:‏ أن الثمارَ أو الزرع كانت أزيدَ من خمسة أوْسُق، فوجب فيها العُشر، لوجود نصابه، لأنه لا زكاة عنده فيما دونها‏.‏ وعلى الثاني معناه‏:‏ حان وقت أداء الصدقة‏.‏

ويتردد مثله في قوله‏:‏ «أو باع ثِمَارَه، ولم تجبْ فيه الصدقة»، أي عدم وجوب الصدقة، لكونها لم تبلغ مِقْدَار النصاب، أو لعدمِ حُلول أجل الصدقة‏.‏

وكذا لا يَدري ماذا أراد من لفظ الصدقة بعد العشر‏؟‏ هل هو تفنُّنٌ في العبارة فقط، أو المراد منه الصدقة المتفرقة‏؟‏ والذي يظهر أن الواجبَ في المسألة المذكورة، وإن كان هو العُشر، لكنه أراد إدراجَ الصدقةِ المتفرِّقةِ في الثمار أيضًا، فلفها في لفظ الصدقة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولم يخصّ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، هذا اللفظُ قد يُستعمل فيما يكون مختارًا ومطلوبًا، وقد يُستعمل فيما يكون متروكًا، ولا يصحُّ هذان المعنيان ههنا‏.‏ وقد استعملَهُ المصنفُ فيما مر‏.‏ وفيه‏:‏ لم يخصَّ المذهب‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وكذا في موضعٍ من الصيام، والخُمس والوقف، فأردت أن تبقى شاكلتُه في جميع المواضع سواء‏.‏ فأخذته بمعنى «لم يفرق»، فإنَّه يمشي في سائر المواضع‏.‏

1486- قوله‏:‏ ‏(‏نهى النبي صلى الله عليه وسلّم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، واعلم أن البيعَ على رؤوس الأشجار إما يكون بشرط القطع، وهو جائزٌ بلا خلاف، بَدَا صلاحُها، أو لم يَبْد، وعلى الثاني وإن لم يَصْلُح لأكله، لكنه يكون عَلَفًا لدوابه‏.‏ أو يكون بشرط التَّرك، وذا لا يجوز عندنا مطلقًا‏.‏ وأما الشافعي فجوَّزه بعد بُدُو الصلاح لا قَبْله، فَعمِلَ بمنطوقِ الحديث، ومفهومُه يكونُ بشرط الإِطلاق، فهو جائزٌ عندنا مطلقًا‏.‏ لكن يجبُ القطعُ على المشتري إذا طالَبَه البائع‏.‏ ولعلك علمتَ منه أنَّ الحنفية لم يعتبروا قيدَ- قبل البدو وبعده- مع كونه في أكثر الأحاديث‏.‏ فإن قلتَ‏:‏ إنَّ الشافعية أيضًا لم يعتبروه فيما باعَه بشرط القطع، فلزمَ عليهم ما يلزمُ علينا‏.‏ قلتُ‏:‏ كلا، لأن هذه الصورةَ خارجةٌ عن قضية الحديثِ، لكونها مُستثناةً عقلا‏.‏ والاستثناءُ العقلي لا يورثُ الظنية في الباقي‏.‏ ألا ترى أنه إذا باعَ بشرطِ القطع لم يبق فيه محلٌ للنزاع، أما إذا باعه بشرط الإِطلاق فهذا راجع إلى الأول‏.‏ فإنه وإن سكت عن ذكر القطع، لكنه إذا أمَرَه يجبُ عليه القطعُ في الحال، فصار في حكمه‏.‏ وفي «الهداية» أنه جائزٌ بعد البدو، وعند مشايخ بلخ، لا قبله، وعليه يُحمل الحديث‏.‏

بقي البيعُ بشرطِ التَّرك، ففيه ربا، مع أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قد نهى عن بيعٍ وشرط‏.‏ والحاصلُ أنَّ البيعَ بشرط القطع مستثنىً عقلا‏.‏ وبشرط التركِ ممنوع، للنهي عنه، فلم يبق إلا بالإِطلاق‏.‏ واعتُبر فيه تفصيلُ البُدُو وعدمه عند مشايخنا ببلخ أيضًا، فهو محملُ الحديث‏.‏ لأن البيعَ بالشرطين الأولين نادرٌ، فلا يُحملُ الحديث إلا على ما يكثُر وقوعُه، وهو بشرط الإِطلاق‏.‏ وقد تكلم فيه ابن الهُمَام في «الفتح» فراجعه، فإنَّه جيّد جدًا‏.‏ وسنعود إلى تقريره في موضع آخر أيضًا إن شاء الله تعالى‏.‏

باب‏:‏ هَل يَشْتَرِي صَدَقَتَه

وهو جائزٌ في الفقه، وإنما نَهى عنه الحديث، لأنه لا يخلو عن نحو مُرَاعاة من الموهوب له، فيصيرُ له المَثَلُ السَّوْء، وهو- العَودُ في القيء- ‏.‏

والحاصل أن الشرعَ لا يحملُ المراعاةَ فيما وهبَهُ بنفسه، بنحو قوله‏:‏ «لا تَعُدْ في صدقتك»‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وإنما نهاه النبي صلى الله عليه وسلّم عن شراء فرسه الذي كان تصدق به، لأنه ظن أنه يبيعه برُخْصٍ، فاستُحِبَّ له أنْ يعملَ بما هو أولى وأحرى‏.‏ وإن جاز شراؤه‏.‏ أما شراء الثالث، فلا ريبَ في جَوَازه‏.‏

ثم اعلم أن الرجوعَ عند عدم الموانع السبعة، وإن جاز قضاءً، لكنه مكروهٌ تحريمًا، أو تنزيهًا دِيَانة، ولا بدَّ لجوازِهِ‏:‏ إما القضاء، أو رضا الموهوب له، فإذا لم يرض به الموهوبُ له، ولم يكن القضاءُ‏.‏ لم يجز الرجوع مع انتفاء الموانع السبعة أيضًا، كما في «الكنز»‏.‏ والمفتون غافلون عنه، فيفتون بحكم القضاء، ولا يدرون أنه لا يجوز لهم إلا الإِفتاء بالديانات، كما علمتَه في كتاب العلم مفصلا‏.‏

باب‏:‏ ما يُذْكَرُ في الصَّدَقَةِ لِلنبي صلى الله عليه وسلّم

واعلم أنَّ الصدقاتِ النافلة يجوزُ دفعُها إلى آل النبي صلى الله عليه وسلّم وإن تردد ابن الهُمَام، والزَّيْلعي في النافلة أيضًا‏.‏ ثم آل النبي صلى الله عليه وسلّم عندنا‏:‏ آل عباس، وحَمْزة، والحَارث، وآل جعفر، وعلي‏.‏ وحمزةُ وإن لم يكن له ولدٌ ذَكَرٌ، لكن لفظ الآل ليس عندهم منضبطٌ كل الانضباط، فيطلقُ عليه أيضًا‏.‏ فأخذوا من الأعمام ثلاثةً، واثنان من أبناء العمِّ‏.‏ وأما عند الشافعية‏:‏ فهم كل بني هاشم، وبني عبد المطلب‏.‏

‏(‏جواز دفع الزكاة لآل النبي صلى الله عليه وسلّم عند فقدان الخُمُس‏)‏

ونقل الطحاوي عن «أمالي أبي يوسف»‏:‏ أنه جاز دفعُ الزكاة إلى آل النبيِّ صلى الله عليه وسلّم عند فُقدان الخُمُس، فإنَّ في الخُمُس حقَّهم، فإذا لم يوجد، صح صرفُها إليهم‏.‏ وفي «البحر» عن محمد بن شجاع الثَّلْجي عن أبي حنيفة أيضًا جوازه‏.‏ وفي «عقد الجيد» أن الرازي أيضًا أفتى بجوازِه‏.‏ قلتُ‏:‏ وأخذُ الزكاةِ عندي أسهلُ من السؤال، فأفتي به أيضًا‏.‏

باب‏:‏ الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاجِ النبي صلى الله عليه وسلّم

ذهب جماعةٌ إلى أنه لا يجوزُ التصدُّق على جميع أزواج النبيِّ صلى الله عليه وسلّم وقال الآخرون‏:‏ بل من كانت من بني هاشم فقط، وهي زينبُ بنت جَحْش‏.‏ وحينئذٍ لا إشكال في قوله‏:‏ «أعطيتها مولاةً لميمونَةَ من الصدقة»، فإنها لم تكن هاشميةً، فتجوز الصدقة على مولاتها‏.‏ ثم إن النِّسبة قد تكون ولاءً، وقد تكون نَسَبًا‏.‏ واشتهرَ الوَلاءُ فيما بينهم، حتى لا يكاد يتميَّزُ بين الولاء والنسب‏.‏ فيقال‏:‏ فلان هاشميٌّ، مع كونِهِ هاشميًا ولاء‏.‏ وكذا يقال في النسب أيضًا‏:‏ هاشميٌّ، فتشْتَبِهُ الأنساب كثيرًا‏.‏

1492- قوله‏:‏ ‏(‏هلا انتفعتم‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، يدل على أنَّ الجِلدَ يطْهُر بعد الدبغ، خلافًا لمالك‏.‏

باب‏:‏ إِذَا تَحوَّلَتِ الصَّدَقَة

وقد مر أن تبدُّلَ المِلك لا يوجبُ تبدلا في العين دائمًا، فللفقيه أن ينظرَ فيه، ويضعَ له ضَابطَةً‏.‏

باب‏:‏ أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنَ الأَغْنِيَاءِ، وَتُرَدَّ في الفُقَرَاءِ حَيثُ كانُوا

واعلم أن نقل الزكاةِ عندنا إنما هو عند كون أقاربه خارِجَ بلدِه، وإلا فالصرفُ على أحوجِ بلدِهِ أولى‏.‏ أقول‏:‏ مسألة الحنفية هذه إنما تمشي في الأموال الباطنة، أما الأموال الظاهرة فيأخذُ زكاتَها الساعي، ولكن السُّعاة كانوا قد يصرفونها أيضًا إلى فقراء البلد‏.‏ ثم لا يدرى أن المسألة عندهم كانت كذلك، أي جوازُ صرفِ زكاة تلك الأموال أيضًا على أهل البلد، أو كان الوُلاة يُرَخصُونَهم خاصة‏.‏

واعلم أنَّ المصنفَ موافِقٌ لنا في مصارف الصدقات، وحُجَج الخصوم فيها ضعيفةٌ جدًا، وليس عندهم إلا المشي على القواعد فقط‏.‏

باب‏:‏ صَلاةِ الإِمَامِ، وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَة

قوله‏:‏ ‏(‏وصل عليهم‏)‏، وفيه الصلاة على غير الأنبياء عليهم السلام أيضًا‏.‏ وضيَّقُوا في إطلاقها حملَة المذاهب الأربعة، وإليه ذهب ابن العربي، والقاضي عياض، مع أنهما يأخذان بظاهر القرآن‏.‏ ومثله في «الفتح» عن ابن عباس، أي ينبغي أن لا تستعملَ الصلاةُ فيما سوى الأنبياء عليهم السلام‏.‏ قال المُفْتُون‏:‏ ويُمنع عن إطلاقها، لأن الصلاةَ صارت شعارًا للروافض، فإنهم يصلون على آل النبيِّ صلى الله عليه وسلّم

قلتُ‏:‏ بل لأن الصلاةَ فيها معنى التعظيمِ والتوقير بغايته، على عكس اللعنة، فإنَّ فيها معنى التحقيرِ والإِبعادِ عن رحمة الله‏.‏ ولا نعلمُ مَنْ يستحقُّ التوقيرَ بهذا اللفظ ممن لا يستحقه، فهو وإن كان سائغًا من حيث كونه دعاء، لكنه لا يجوزُ من هذه الحيثية‏.‏ بخلاف صاحب الوحي، فهم جَعَلُوه من باب اختلاف عصر وزمان، وجعلتُه من باب اختلاف دليلٍ وبُرْهان‏.‏ وذلك لأن القرآنَ إذا أُورِدَ بإِطلاقها، لم يناسب بشأنه أن يحملَ على اختلاف عصر وزمان‏.‏ وقد مرّ الكلامُ فيه مرةً فراجعه‏.‏

باب‏:‏ ما يُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْر

ولا خُمُس فيه عندنا أيضًا، ونقلَ فيه المصنفُ آثارًا متعارضةً، لعدم الفصل عنده‏.‏ ثم قيل‏:‏ إن العنبرَ روثُ الثور البحري‏.‏ وقيل‏:‏ إن الشمع تأكله دابته، فلا ينهضم، ويخرج كما هو‏.‏ وإنما أتى المصنفُ بقصة بني إسرائيل في هذا الباب، لذكر معاملة البحر فيه لا غير‏.‏

باب‏:‏ في الرِّكازِ الخُمُس

والركاز عندنا يُطلق على الدَّفين، والمخلوق في الأرض سواء‏.‏ نعم، المَعْدِن والكنز متقابلان، فالمَعْدِن ما خُلِق في الأرض، والكنز ما دُفن فيها‏.‏ والخُمُس عندنا فيهما، إلا في دفائن أهل الإِسلام، فإنَّ حكمَها حكم اللقطة‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ الركاز هو الدفين‏.‏ ولا خُمُس عنده في المَعْدِن‏.‏ واحتج بقوله صلى الله عليه وسلّم «المَعْدِنُ جُبَار، وفي الرِّكَاز الخمس» فإنَّه صريحٌ في كون المعدن غير الركاز، فهما شيئان‏.‏

والوجه عندنا أنَّه إذا حَكَمَ على المعدن بكونه جُبَارًا، تُوُهِّم منه كون المالِ الخارج منه أيضًا جُبَارًا، لا شيء فيه، فقال‏:‏ «وفي الرِّكاز الخمس»، ففي الأول بيانٌ لحكم المحلِّ، أي إن حَفَرَه أحدٌ فمات فيه لا شيء له‏.‏ وفي الثاني بيانٌ للحالِّ، أي ما خرج منه‏.‏ وإنَّما لم يكتف بالضمير تعميمًا للمسألة، فإن الركاز عامٌ، كما علمته‏.‏ قلت‏:‏ ولمّا كان مناط الخمس في دفائن الجاهلية، كونها في حكم الغنيمة، وذلك متحقِّقٌ في المَعْدِن أيضًا‏.‏ فإنَّ أراضي الكفار إذا حَوَتْها أيدينا، وَوَجبَ فيها الخُمُس، لزمَ أن يجبَ الخُمُس فيما خلق فيها أيضًا، لأنها غنيمةٌ بما فيها، فالمناط مشتركٌ‏.‏ هذا هو نظرُ الحنفية‏.‏

أما الشافعية فقرَّقُوا بينهما مع تسليم المناط، بأن الدَّفينَة تكونُ من جِهتهم، فيكونُ حكمُها حكم سائر أموالهم من وجوب الخُمُس فيها، بخلاف المَعْدِن، فإنَّه ليس من جهتهم، بل مخلوقٌ من الله تعالى، فكأن المناطَ لم يتحقق فيه عندهم‏.‏ وعندنا تحقق في الموضعين، فوجب الخُمُس مطلقًا، فلا فرق في تحقيق المناط، بل في تحقُّقِه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأخذ عمر بن عبد العزيز‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ؛ وهذا مُوَافقٌ للشافعية، فإنَّه لم يأخذ منه الخُمُس‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال الحسن‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وهذا أقربُ إلى الحنفية، لأنه أوجبَ الخُمُس في الرِّكَاز مطلقًا، وما فرق به يوجب الخمسَ في مَعْدِن دار الإِسلام أيضًا‏.‏ فإنَّ الأراضي لتقادُمِ العهد بالكفر كانت للكافرين، ثم تحولت إلى مِلك المسلمين، فحكمُها يكون كحكم الغنيمةِ، وإنْ وُجدَ فيها المَعْدِن في دار الإِسلام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فعرفها سنة‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، أي إن ظن أن مالكَه مؤمنٌ‏.‏ والحاصل أن الحسنَ لم يفرِّق بين ما يوجد في ظاهر الأرض، وما يوجد في باطنه، كما هو المذهب عندنا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال بعض الناس‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، واعلم أن هذا أول موضع استعمل المصنف فيه هذا اللفظ، ولم يردْ به أبا حنيفة في جميع المواضع، كما زعم، وإن كان المراد ههنا هو الإِمام الهُمَام، بل المراد في بعضها‏:‏ عيسى بن أبان، وفي بعضٍ آخر الشافعي نفسه، وفي آخر محمد‏.‏ ثم لا يستعمله المصنف للرد دائمًا، بل رأيته قد يقول‏:‏ بعض الناس، ثم يختاره، وقد يتردد فيه‏.‏ وذكر المصنف في «كتابه» مالكًا باسمه، وكذا الشافعي، فإن المراد بابن إدريس ههنا هو الشافعي‏.‏ ولم يسمّ أحمد إلا في موضعين، وابن مَعِين في موضع‏.‏

وحاصل إيراده أن أبا حنيفة استدل على مذهبه بالاستعمال اللغوي، فإنَّه يقال‏:‏ أركَزَ المعدن فثبت منه إطلاق الرِّكَاز على المَعْدِن لغةً‏.‏ وإذا ثبت كون المعدن ركازًا باللغة ثبت وجوبُ الخُمُس فيه بالنص، لقوله صلى الله عليه وسلّم «وفي الركاز الخمس»‏.‏ قال البخاري‏:‏ ولو سلمناه لزمَ أن يجبَ الخُمُس في المالِ الموهوب والثمار والربح أيضًا بعين هذا البيان، فإنَّ الرجلَ إذا وهب مالا أو ربح فيه أو كثرت ثماره، يقال له‏:‏ أرْكَزت، فأُطلق فيه الرِّكَاز على المال المذكور أيضًا، ولم يذهب أحد إلى وجوب الخُمُس في المال المذكور‏.‏

وأما تقرير المناقضة، فبأنه قال هذا البعض أولا‏:‏ إن الخُمُس واجبٌ في المَعْدِن، لأنه رِكاز، وفي الرِّكَاز الخُمُس، ثم قال‏:‏ لا يؤدي الخُمُس من الرِّكَاز، ولا بأس بكتمانه‏.‏ والرِّكَاز عنده متناوِلٌ للمعدن، فصار مآله، إلا أنه لا يؤدي الخمس من المعدن‏.‏

قلتُ‏:‏ وقد أجاب عنه العيني، فراجعه؛ وأجاب ابن بَطَّال عن المناقضة‏:‏ إن الذي أجازه أبو حنيفة كتمانه فيما إذا كان محتاجًا إليه، وتأوَّل أنَّ له حقًا في بيت المال، ونصيبًا في الفيء، فأجاز له أن يأخذ الخُمُس لنفسه عِوضًا عن ذلك، لا أنه أسقط الخمس عن المعدن بعد ما أوجبه‏.‏

وقال الطحاوي‏:‏ إن الواحد إن زعم أنه من مُستحقِّي الخُمُس، وإن رَفَعَه إلى بيت المال لا يُعطى منه، وَسِعَ له أن يصرفه إلى نفسه، وكذا في فقه الحنفية‏:‏ إن المال الذي يُرفع إلى بيت المال إذا تعين له المصرفُ، وقد علم أنه لا يُصرفُ إليه، وَسِع له كِتمانه، وصرفُه إليه بنفسه، فليس هذا مناقضة‏.‏ بل نقل جزء من باب إلى باب آخر‏.‏ وقد مر مني أنه يجوزُ للمجتهد، فإِن الجزءَ الواحدَ قد يندرجُ تحت أبوابٍ شتى، فيدرِجُه المجتهد تحتَ باب منها باجتهاده‏.‏

ولنا حديث أخرجه أبو يوسف في «كتاب الخَرَاج» إلا أن في سندِه عبد الله بن سعيد المقْبُري، وهو ينسب إلى الضَّعْف‏.‏ وأيضًا أخرج محمد في «الموطأ» وفيه‏:‏ فتلك المعادن إلى اليوم لا تؤخذ منها إلا الزكاة‏.‏ قال محمد‏:‏‏.‏‏.‏‏.‏ قال صلى الله عليه وسلّم «وفي الركاز الخمس، قيل‏:‏ يا رسول الله، وما الرِّكَاز‏؟‏ قال‏:‏ المال الذي خلق الله يوم خلقها»‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ ففسر فيه الركاز بالمعدن، «وفي الركاز الخمس» بالنص، فثبت الخمس في المعدن أيضًا‏.‏ ولنا أيضًا ما عند أبي داود‏:‏ كتاب اللقطة عن عبد الله بن عمرو بن العاص في حديث‏:‏ «وما كان في الخَرَاب، يعني ففيها وفي الرِّكَاز الخُمُس»‏.‏ انتهى‏.‏ حيث أوجب فيه الخمس في ظاهرها وباطنها، والمسألة عندي من باب التفقُّه، والنص المذكور فيها ليس نصًا لأحد من الطرفين‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 60‏)‏

وَمُحَاسَبَةِ المُصَدِّقِينَ مَعَ الإِمامِ

وهم من مصارِفِ الزكاة أيضًا، ثم هل يُشترط كونهم مفلسين أو لا‏؟‏ اختُلف فيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏محاسبة‏)‏، وهو موضع الترجمة، والذي يظهرُ أنْ تكونَ ترجمتهُ هكذا‏:‏ ومحاسبة الإِمام مع المصدقين‏.‏ لأن لفظ «مع» يُستعمل في التابع دون المتبوع، والمصنف عكس فيها، فاستعمل «مع» للمتبوع، وقال‏:‏ محاسبة المصدقين مع الإِمام‏.‏

باب‏:‏ اسْتِعْمَالِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَأَلبَانِهَا لأَبْنَاءِ السَّبِيل

يعني هل يجوز أن يسقَي أبناءَ السبيل من ألبان إبل الصدقة، وأن يعطيهم ظَهْرَها‏؟‏ ولعل الحنفية لا يمنعون عنها أيضًا‏.‏ أما إذا وهبها لهم فلا نزاع في جواز هذه الأشياء، ولم يتوجه إلى هذه المسألة أحدٌ غير الإِمام المصنف‏.‏

باب‏:‏ وَسْمِ الإِمامِ إِبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِه

وكان وسْمُ عمر‏:‏ «الوقف لله» كما في «الفتح»‏.‏ فدل على جواز الكتابة بنحو هذا على الدواب‏.‏ وفي «شرح الجامع الصغير» للعزيزي الشافعي أن الكتابة على الثبور، لا تجوز عند أبي حنيفة، وما في كتبنا فهو خلافُه‏.‏ والله تعالى أعلم بالصواب‏.‏

باب‏:‏ فَرْضِ صَدَقَةِ الفِطْر

ويقال لها بالفارسية‏:‏ سرسايه، فانكشف منه حقيقة قولهم‏:‏ رأسٌ يَمُونُه ويلي عليه‏.‏ واختُلِف في فرضيتها ووجوبها، والمصنف جزم بالأول، ولم يشترط لها نصابًا، وهو مذهب الشافعي، خلافًا لأبي حنيفة فيهما، فهي واجبة عنده، وكذا يشترط لها النِّصاب عنده‏.‏ غير أن بين نصابها ونصابِ الزكاة فرقًا، فإنَّ النماء ليس بشرط في نِصَاب صدقة الفِطر، بخلاف الزكاة‏.‏

قلتُ‏:‏ لا ريب أن الظاهر ما ذهب إليه الشافعي، لأن الأحاديثَ عامةٌ، لا تعرُّضَ فيها إلى نِصَابٍ‏.‏ نعم، لنا استنباطاتٌ، كإِطلاق الزكاة على صدقة الفطر في غير واحد من الأحاديث، ويتبادَرُ من إطلاق الزكاة عليها، أن يشترطَ لها أيضًا ما يشترطُ للزكاة، فيثبت لها النِّصَابُ من هذا الطريق‏.‏ لكن لما كان باب صدقة الفطر بابًا مستقلا، ناسب أنْ تتعرضَ الأحاديثُ إلى نِصَابها أيضًا كذلك‏.‏ والتمسكُ لها من الإِطلاقات والعُمُومَات لا يكفي، وجرُّ أحكام بابٍ إلى باب لا يشفي‏.‏ فالأولى عندي أن يكون المختارُ في العمل مذهب الشافعي، فإنَّه لا بأس بأداء الصدقة عند أحد، وهو الذي ينبغي في الأضحية‏.‏

باب‏:‏ صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى العَبْدِ وَغَيرِهِ مِنَ المُسْلِمِين

باب‏:‏ صَدَقَةُ الفِطْرِ صَاعٌ مِنْ شَعِير

واختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال‏:‏

الأول‏:‏ أنها تجبُ على الموْلى عن عبده‏.‏

والثاني‏:‏ أنها تجب على العبد، إلا أنَّ مَوْلاه مأمورٌ أن يُمكِّنَ عبده على أدائها، وهو مذهب أهل الظاهر‏.‏

والثالث‏:‏ أنها واجبة على العبد، لكنَّ مَوْلاه يؤديها عنه‏.‏

ثم إن المولى هل يخرِجُها عن عبيده المسلمين فقط، أو الكافرين أيضًا‏؟‏ فقال الشافعي بالأول، واحتج بحديث الباب‏.‏ والجواب عنه‏:‏ أما أولا‏:‏ فبأن مالكًا تفرَّدَ فيه بقيد «من المسلمين» كما ذكره الترمذي‏.‏ قلتُ‏:‏ ولكن الشيخَ أخرجَ له متابعات في «الإِمام»‏.‏

وأما ثانيًا‏:‏ فبأن القيدَ المذكورَ راجعٌ إلى المَوَالي‏.‏ وأما ثالثًا‏:‏ فبأن رواية ابن عمر ومذهبه، إخراج الصدقةِ عن العبيد مطلقًا‏.‏

وأما البخاري فزعم بعضهم أنه اختار مذهب الشافعية نظرًا إلى هذه الترجمة‏.‏ قلتُ‏:‏ لا دليلَ فيها على ما راموه، بل هو متردد فيه، أو هو موافق للحنفية، ولذا حذف القيدَ المذكور من الترجمة الآتية، وإنما ذكره في الترجمة الأُولى نظرًا إلى لفظ الحديث، للإِشارة إلى عبرته، ولذا حذفه من الترجمة الثانية، كأنه أشار بذلك إلى أنه ينبغي أن يُمعِنَ النظرَ في أن هذا القيدَ اتفاقي، أو مدارٌ للحكم‏.‏ وإنما قلنا‏:‏ إن الظاهر أنه وافقَ الحنفية لا لكونه تلميذ إسحاق ابن رَاهُويَه، ومذهبُه كمذهب الحنفية، وهو مذهب ابن عمر، وهو راوي الحديث، كما في «الفتح» وقد أقر به الحافظ أيضًا، ولمّا علمنَا مذهبَ شيخه ناسبَ أن نحمل ترجمته أيضًا على مذهب شيخه، ومن ههنا اندفع التكرارُ، وظهر الوجهُ، لوضع الترجمة الثانية‏.‏

وقال ابن المُنَيِّر‏:‏ إن المصنف توجَّه في الترجمة الثانية إلى مسألةِ أنها تجبُ عليه أو عنه؛ وقد علمت الاختلافَ فيها، والفرقَ بينها‏.‏

قلتُ‏:‏ وليس الأمرُ كما زعمه، فإنَّه ترجم بصدقةِ الفطرِ على الصغير والحر والمملوك، فدلَّ على أنه لم يتعرَّض إلى بيان هذا الفرق‏.‏ فالظاهرُ أنه ذهب إلى وجوبها عن العبد مطلقًا، مسلمًا كان، أو كافرًا‏.‏ والله تعالى أعلم بالصواب‏.‏

باب‏:‏ صَدَقَةِ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَام

باب‏:‏ صَدَقَةِ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْر

قال الشافعي‏:‏ إن المراد من الطعام هو البرُ، فيُخرج منه صاعًا كالشعير‏.‏ قلتُ‏:‏ كيف وأن أبا سعيد قد صرح أن طعامَنا يومئذ لم يكن غير الشعير، والزبيب، والأقط، والتمر، كما يأتي في البخاري في هذه الصفحة من باب الصدقة قبل العيد‏.‏ وأين كان البرُ في زمنه صلى الله عليه وسلّم ليكون طعامَهم‏؟‏ وإنما كثُرَ في زمن معاوية، كما في البخاري من الباب الذي بعده‏:‏ فلما جاء معاوية وجاءت السمراءُ؛ قال‏:‏ أرى مُدا من هذا يعدِلُ مدين‏.‏ اهـ‏.‏

ومن ههنا ظهر السر، لاختلافهم في البُر أنَّ الواجبَ منه صاعٌ أو نصفُ صاعٍ، وذلك لأنه كان قليلا في زمن النبي صلى الله عليه وسلّم فلم يخرج أمرُه من الخاصة إلى العامة‏.‏ ومن هذا الباب اختلافهم في زكاة الحُلِي والخيل، فإنَّهما أيضًا كانا قليلين، فلم يشتهر أمرُهما على وجهه‏.‏ فقال قائل بوجوب الزكاة فيهما، وأنكرها آخرون‏.‏ ولنا عمل الخلفاء الأربعة، كما في «العيني»، وكفى به قُدوة‏.‏

باب‏:‏ صَاعٍ مِنْ زَبِيب

باب‏:‏ الصَّدَقَةِ قَبْلَ العِيد

والمشهور عندنا أنه كالبر، فيُخرج منه نصفُ صاعٍ، وفي رواية غير مشهورة أنه كالشعير، فيخرج منه صاعًا‏.‏ قلتُ‏:‏ وهو المختار عندي‏.‏

أما الجواب عن حديث أبي سعيد الخدري، قال‏:‏ «كنا نعطيها في زمان النبيِّ صلى الله عليه وسلّم صاعًا من طعام‏.‏‏.‏‏.‏ وزبيب»‏.‏ اهـ‏.‏ فبأنه لا دليل فيه على أن إخراجَهم القدرَ المذكورَ كان لكون القدر الواجب ذلك فإنَّه قد يجوز أن يكون تحريًا للفضل، فإنَّهم لما أخرجُوا من سائرِ الحبوب صاعًا، أخرجوا من الزبيب أيضًا نحوه‏.‏ وعند الطحاوي‏.‏ وأبي داود ما يشير إليه أيضًا‏.‏ قال أبو سعيد‏:‏ «أما أنا فلا أزال أُخرجُ كما كنت أخرج»؛ ولفظ أبي داود‏:‏ «لا أُخرج أبدًا إلا صاعًا»‏.‏ اهـ‏.‏

وكأن هذا من دأب الصحابة، أنهم إذا عَمِلوا بأمر في زمن النبيِّ صلى الله عليه وسلّم ثابروا عليه‏.‏ قلنا‏:‏ أما أبو سعيد، فله أن يُنفقَ مالَه كله في سبيل الله، فما بالصاع، ولكن الفاصل أنَّ الصاعَ المذكورَ كان واجبًا عليهم أولا، ولا يثبتُ ذلك من القول المذكور‏.‏